القرطبي
301
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه : أحدها - أن الذي يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا ، لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ، قاله مجاهد . الثاني - أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، لكذب ظنه ، وفساد توهمه ، قاله ابن عباس . الثالث - أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شئ منه . وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر ، لأنها معدن للماء ، وأن المثل كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء ، وشاهده قول الشاعر : فإن الماء ماء أبي وجدي * وبئري ذو حفرت وذو طويت قال علي رضي الله عنه : هو كالعطشان على شفة البئر ، فلا يبلغ قعر البئر ، ولا الماء يرتفع إليه ، ومعنى " إلا كباسط " إلا كاستجابة باسط كفيه " إلى الماء " فالمصدر مضاف إلى الباسط ، ثم حذف المضاف ، وفاعل المصدر المضاف مراد في المعنى وهو الماء ، والمعنى : إلا كإجابة باسط كفيه إلى الماء ، واللام في قوله : " ليبلغ فاه " متعلقة بالبسط ، وقوله : " وما هو ببالغه " كناية عن الماء ، أي وما الماء ببالغ فاه . ويجوز أن يكون " هو " كناية عن الفم ، أي ما الفم ببالغ الماء . ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في ضلال ، لأنها شرك . وقيل : إلا في ضلال أي يضل عنهم ذلك الدعاء ، فلا يجدون منه سبيلا ، كما قال : " أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا " ( 1 ) [ الأعراف : 37 ] وقال ابن عباس : أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا يسمع دعاءهم . قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظللهم بالغدو والأصال ( 15 ) قوله تعالى : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) قال الحسن وقتادة وغيرهما : المؤمن يسجد طوعا ، والكافر يسجر كرها بالسيف . وعن قتادة أيضا : يسجد الكافر كارها حين لا ينفعه الإيمان . وقال الزجاج : سجود الكافر كرها ما فيه من الخضوع وأثر الصنعة .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 203 .